هذه الأيام، استطاع الذكاء الاصطناعي التواجد في مختلف المجالات. في الواقع، لقد بات من الصعب تحديد ما هي المجالات التي لم يطأ الذكاء الاصطناعي قدمه بداخلها. إنه يتوغل في جميع القطعات بطريقة مماثلة لانتشار الفيروسات في الهواء. إنه حقًا كالوباء، وحريٌ بنا توخي الحذر منه، خاصةً مع الآلية والطريقة التي يتم تدريبه بها بواسطة شركات التكنولوجيا.
هذا لا يعني بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي تقنية سلبية أو سيئة، بل هي كسلاح ذو حدين. ولا يُمكن إنكار الانتفاضة السريعة التي صنعتها تلك التكنولوجيا في مختلف جوانب حياتنا. إننا نستخدمه الآن، وسنظل نستخدمه لأجل غير معروف لأنه أحد العوامل التي استطاعت أن تحوّل العالم الرقمي في فترة زمنية قياسية. لكن مع نموه المخيف وسيطرته على مختلف القطاعات، فلن نتفاجأ إذا سلب الجنس البشري نصف وظائفه خلال السنوات القليلة الماضية. وهذا ما يخشاه ويحذر منه بشدة جميع خبراء التكنولوجيا في مختلف أنحاء العالم.
لن يستغرق الأمر الكثير من الوقت حتى يقلب الذكاء الاصطناعي موازين الحياة رأسًا على عقب، وسيتملّك مقاليد ومفاتيح النجاة لعدد كبير من الشركات، هذا هو ما يثير المخاوف المتزايدة تجاهه، خاصةً أن تأثيراته السلبية على سوق العمل بدأت للتو في الظهور. حتى وإن لم يتم الكشف عنها بشكل علني، لكن يجب أن تعلم أن هناك مئات الآلاف، أو ربما أكثر، من العمالة البشرية التي فقدت وظائفها لصالح الذكاء الاصطناعي، وكل يوم، يتزايد هذا العدد.
قد يسلب الذكاء الاصطناعي وظائف نصف النجس البشري
يواجه معظم الناس صعوبة في إدراك ما كان الذكاء الاصطناعي هو قوة التغيير الحقيقية المُسخّرة للخير أم للشر، لمساعدة الانسان أم لإحباطه، للرقي بالحضارات أم للعودة بها إلى زمن الجاهلية. لكن الأسوأ لم يأت بعد، حيث تشير التقارير إلى أنه من المتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي لتصل نفقاته إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2030، وسيؤثر على 50% تقريبًا من وظائف البشر في غضون أعوام قليلة.
لا يزال الذكاء الاصطناعي يعاني من بعض “الهلوسة”، حمدًا على ذلك، هذا هو في الواقع أحد أبرز الأسباب التي تُبقي معظم الصناعات على موظفيها حتى الآن. لكن شركات التكنولوجيا تضخ استثمارات مرعبة لمعالجة هذه الثغرات، ولعل الإصدارات المنطقية أو “المُفكّرة “Reasoning AI” من روبوتات الذكاء الاصطناعي دليل على نجاح تلك الشركات في مخططاتها.
لكن عند النظر إلى حجم سوق الاستثمار الذي سيصل له الذكاء الاصطناعي في غضون نصف عقد تقريبًا من الآن يجعلنا نقف في ذهول، إنه في الحقيقة يعادل حجم اقتصاد بعض الدول الأوروبية المتقدمة. لهذا، حذّرت وكالة الأم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) من المخاوف المتعلقة بأتمتة التكنولوجيا وتسريح الوظائف، والتنبؤ بأثرها السلبي على وظائف الانسان.
المشكلة هي أن شركات التكنولوجيا مؤمنة بأن للذكاء الاصطناعي دور حاسم في تعزيز الطاقة الإنتاجية بمختلف الصناعات، وقد يخلق فرُصًا حقيقية للنمو بالاقتصاد، حتى وإن كانت رؤيتهم تعزز من عمق أوجه عدم المساواة.
وفقًا للتقرير، فإن ما يقرب من 100 شركة داخل الصين والولايات المتحدة تستثمر في مجال البحث والتطوير بالذكاء الاصطناعي، أي ما يعادل 40% تقريبًا من الإنفاق العالمي على هذه التكنولوجيا. في حين أن هذه الدول تحاول السيطرة على التكنولوجيا، لكن يظل هناك أكثر من 110 دولة في الجنوب غائبة أو ترفض أي مناقشات حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، ما يزيد من فرصة تعرُض العديد من تلك الدول لخطر التخلف التكنولوجي. وقد لا يتوقف تأثير التقنية بشكل سلبي على المجال الوطني فحسب، وإنما ستمتد أثارة لتشمل المجال المؤسساتي والشركاتي بمختلف كياناته. لهذا، تحُث وكالة الأم المتحدة للتجارة والتنمية على اتخاذ التدابير اللازمة والاهتمام بالتطوير الشامل للذكاء الاصطناعي.
على الرغم من المخاطر المحيطة به، إلا إنه لا يزال جوهرة من الماس في أيدي الشركات والتي تستطيع إخضاعه وتهيئته لبناء صناعات جديدة وتوفير فرص عمل أكبر للعمالة البشرية والحفاظ على أماكنهم. يجب على شركات التكنولوجيا الاستثمار في برامج تأهيل وإعادة تطوير المهارات، لا في تدريب التكنولوجيا بالمزيد من البيانات فحسب.
من أجل هذا، يشدّد التقرير على ضرورة الإفصاح العام عن تطورات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المُستخدمة وتوفير نماذج مفتوحة المصدر تخضع للرقابة، كما ويجب على الدول النامية ألا تتخلف عن اللحاق بالركب وتتخذ دورًا إيجابيًا في وضع لوائح معينة للتقنية وأطرها الأخلاقية وتجنب المخاطر المحتملة التي تنطوي عليها.
- اقرأ أيضًا: خبير: الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فناء البشرية
