يبدو أن كل ما شاهدناه في أفلام الخيال العلمي يتحقق تدريجيًا، بشكل أو بآخر. أو ربما هي كانت بالفعل أفكارًا مطروحةً للدراسة منذ زمن ولا تنتظر سوى الوقت والفرصة للخروج إلى العلن. من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات إلى نظارات الواقع الافتراضي إلى الساعات الخلوية وحتى الشاشات التي تطفو في الهواء.
ولكن عندما اعتمدت الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر على نظام المصادقة البيرومترية القائم على بصمات الأصابع أو مسح الوجه، لم نُفاجئ كثيرًا، فنحن نعلم بالفعل أن لكل انسان بصمته الجلدية الفريدة، وتكوين عظام وجهه يختلف عن أي شخص آخر، وقزحية العين تُعزز من هذه الفردية. إنه شيء يتعلق بأحماضنا النووية التي لا تتشابه أبدًا بين شخصين على كوكب الأرض (باستثناء بعض التوائم).
لكن هل تخيلت يومًا أن تصبح نبضات قلبك هي مفتاحك للوصول إلى حساباتك الرقمية، وفتح قفل هاتفك، وجهاز الكمبيوتر، وحتى باب منزلك؟ هنا، وللمرة، التي لا يُمكننا إحصاء رقمها، تتكرر سيناريوهات مُستقاة من أفلام الخيال العلمي، لكنها في الواقع ظاهرة طبيعية بحتة، أو دعونا نقول ظاهرة “طبية” معروفة.
فكل إنسان لديه إيقاع مختلف “نسبيًا” من نبضات قلبه، وهذه النبضات تُحدث اهتزازات مجهرية تنتشر في جميع أنحاء الجسم، وصولًا إلى قنوات الأذن. وقد اكتشاف العلماء أن هذه الاهتزازات الدقيقة تُشكل أنماطًا مميزة وفريدة لكل إنسان، منوّطة ببنية الأنسجة الداخلية، وقوام عضلة القلب، ومسار الأوعية الدموية، وحتى تكوين قنوات الأذن الداخلية. وقد استفاد مشروع صيني باسم “AccLock” هذه الطبيعة البيولوجية لإنشاء نظام مصادقة جديد كليًا.
المميز في مشروع AccLock أنه لا يحتاج إلى أي معدات باهظة الثمن، وإنما فقط مستشعرات الحركة المدمجة في معظم سماعات الأذن اللاسلكية الحديثة، والتي عادةً ما تُستخدم لرصد إيماءات وحركة الرأس، وقد استخدم الباحثون سماعات Apple AirPods Pro باعتبارها مثالًا شائعًا على ذلك.
الفكرة هنا تتمحور حول عمل نظام المصادقة بالكامل في الخلفية. فعند ارتداء سماعة الأذن، تُحلل الخوارزمية الاهتزازات والأنماط الناتجة عن نبضات القلب، وفي حالة تطابق النمط مع ملف تعريف المستخدم المحفوظ سابقًا على الجهاز، يتم تأكيد الهوية تلقائيًا، وبالتالي، يصبح لدى الشخص تصريح الوصول إلى جهازه أو حساباته أو أي نظام آخر قائم على المصادقة.
مشروع AccLock طموحات واعدة وليست خالية من التحديات

مثل أي فكرة جديدة، فالطريق إليها لن يكون خاليًا من العوائق. بالنسبة للعلماء، لم يكن التقاط الاهتزازات هو التحدي الأكبر، بل في كيفية فصلها عن غيرها من الاهتزازات الأخرى. المقصد هنا لا يتعلق بفصلها من إنسان عن إنسان آخر، وإنما في فصلها عن التشويشات البيئية، وحركات الرأس، وحركات عظام الوجه، إذ تتسبب هذه العوامل جميعها في إنتاج موجات كهربائية وتُحدث أنماطًا صوتية قد تتداخل مع الشفرات التي تلتقطها مستشعرات السماعات داخل قنوات الأذن.
لكنهم وجدوا أن الحل هو إنشاء نظام خاص بمساعدة الذكاء الاصطناعي باسم HIDNei، مسؤول عن استخراج البيانات والتقاط خصائص الإشارة المميزة لشخص معين فقط. ولكن ماذا عن الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل تباطؤ أو تسارع ضربات القلب، أو أمراض الشرايين، والتي تؤثر على إيقاع القلب، فهل من الممكن أن تعمل هذه التقنية في مثل تلك الحالات أيضًا؟
وفقًا للدراسة، لا يهم أبدًا كيف يختلف إيقاع نبض القلب عن المعدل الطبيعي، فهو يظل مميزًا وقابلًا للتكرار لدى الكائن الحي نفسه، وبالتالي، تستطيع الخوارزمية تحليل الهوية والتعرف عليها بكفاءة دون أي مشاكل. وهو ما يُثبت كفاءة هذا النظام في حال تعرض الشخص إلى وعكة صحية في المستقبل، حتى بعد ضبط إعدادات النظام على بيانات ما قبل الأزمة الصحية.
أما من حيث الأمان، فيحتاج النظام إلى تسجيل شفرة إيقاع القلب لمدة 4 ثوانِ فقط من أجل إنشاء ملف تعريف فردي للمستخدم، وفي حالة اختلاف القراءة عن الخصائص المُسجلة لدى النظام، يتم حظر المستخدم من الوصول على الفور. وقد أثبتت الاختبارات الأولية نتائج إيجابية كبيرة لهذه الآلية المعقدة، مع معدلات خطأ في منح الوصول للغرباء بنسبة بلغت 3%، ومع ذلك، كانت معدلات الخطأ في رفض الشخص المستحق منخفضة أيضًا، مما يعني أننا أمام نظام واعدًا في تقنيات المصادقة، لكنها قد لا تكون جاهزة للتطبيق بعد.
فقد أكد الباحثون أن التقنية غير جاهزة للاستخدام التجاري، وتظل مشكلة حركات الرأس عائق جوهري لهذا النظام. فأثناء المشي السريع أو الركض أو الحركات العنيفة، يتعرض رأس الانسان إلى اضطرابات كبيرة تجعل من الصعب على مستشعرات السماعات التقاط الإشارات الصحيحة داخل الأذن، نتيجة تشويش اضطرابات الرأس مع الاهتزازات القادمة من إيقاع نبضات القلب. ومن الممكن أن يحدث الشيء نفسه في حالة إجراء محادثات سريعة.
وعندما نأخذ في الاعتبار أننا لا نتحدث هنا عن أنشطة متطرفة للغاية، بل هي في الحقيقة ممارسات يومية لجميع البشر، فلابد أن يجد مشروع AccLock حلًا لتفادي هذه الاضطرابات، وقد يكون حلًا أكثر غرابة، لكنه لن يكون أكثر إثارة للجدل من النظام نفسه. فمن منا كان يتوقع أن نعتمد على نبضات قلوبنا كتراخيص أمنية للوصول إلى حساباتنا وإلغاء تأمين أجهزتنا؟ لكن في النهاية، يبدو أنها مُجرد مسألة وقت قبل أن نمنح قلوبنا مفاتيح الأمان ونرى على شاشات أجهزتنا خيار “تسجيل الدخول عبر القلب”.
