نسبة قياسية جديدة. هذا ما أعلنته أبل حين كشفت أن منتجاتها باتت تحتوي على أعلى معدل من المواد المعاد تدويرها في تاريخ الشركة الممتد لنحو خمسة عقود. الخبر ليس مجرد رقم تسويقي، بل يعكس تحولاً جذرياً في سلاسل التوريد وفلسفة التصنيع لدى أكبر شركة تقنية في العالم من حيث القيمة السوقية. أبل لا تكتفي بالحديث عن الاستدامة، بل تُدمجها فعلياً في كل مكوّن من مكوّنات أجهزتها، من هيكل الألمنيوم إلى المغناطيسات الداخلية الدقيقة.
أبل ومسيرة الاستدامة: من البدايات إلى الالتزام الشامل
بدأت أبل رحلتها البيئية بخطوات متواضعة في مطلع الألفية، حين أطلقت أولى تقاريرها البيئية السنوية. لكن المنعطف الحقيقي جاء عام 2017 حين أعلنت التزامها باستخدام مواد معاد تدويرها بالكامل في منتجاتها المستقبلية. ثم رفعت السقف عام 2020 بإعلان هدف الحياد الكربوني الكامل بحلول 2030، شاملاً سلسلة التوريد بأكملها ودورة حياة كل منتج. روبوت التفكيك “ديزي” الذي يُعيد تفكيك أجهزة آيفون القديمة أصبح رمزاً لهذا التوجه.
ماذا تعني أعلى نسبة مواد معاد تدويرها عملياً؟
حين تقول أبل إنها حققت أعلى نسبة مواد معاد تدويرها في منتجاتها، فهذا يشمل مجموعة واسعة من المعادن والعناصر. الألمنيوم المعاد تدويره بنسبة 100% أصبح معياراً في هياكل أجهزة ماك بوك وآيباد منذ سنوات. لكن التحدي الأكبر كان دائماً في العناصر الأرضية النادرة مثل التنغستن والكوبالت والليثيوم.
الشركة استثمرت مليارات الدولارات في تطوير تقنيات استخلاص هذه المواد من الأجهزة القديمة بدلاً من التعدين التقليدي. هل يمكن تخيّل أن مغناطيسات جهاز آيفون الحديث قد تحتوي على عناصر أرضية نادرة مُستخرجة من هاتف آيفون قديم أعاده مستخدم في برنامج الاستبدال؟ هذا بالضبط ما يحدث.
We’re proud to share the progress we’re making in our efforts to protect the planet, including our highest-ever use of recycled material in our products. https://t.co/VtMzXvk3U9
— Tim Cook (@tim_cook) April 16, 2026
الأثر البيئي والأرقام التي تهمّ المستهلك
لا شك أن الأرقام تتحدث بوضوح. أبل أشارت في تقاريرها السابقة إلى خفض انبعاثاتها الكربونية بأكثر من 55% منذ عام 2015، وهذا الإنجاز الجديد في نسبة المواد المعاد تدويرها يُسرّع الوتيرة نحو هدف 2030. كل كيلوغرام من الألمنيوم المعاد تدويره يوفر نحو 95% من الطاقة اللازمة لإنتاج ألمنيوم جديد من خاماته.
والأهم من ذلك أن هذا التوجه لا يرفع أسعار المنتجات. أبل أثبتت أن الاستدامة والربحية ليستا متناقضتين. المستهلك يحصل على الجهاز ذاته بالأداء ذاته، لكن ببصمة بيئية أقل بكثير.
المواد المعاد تدويرها في أبرز منتجات أبل
تتوزع المواد المعاد تدويرها عبر خطوط إنتاج أبل المختلفة بنسب متفاوتة:
- آيفون: ألمنيوم معاد تدويره بالكامل في الهيكل، مع كوبالت وتنغستن وعناصر أرضية نادرة معاد تدويرها في البطارية والمحرك اللمسي
- ماك بوك: هيكل ألمنيوم معاد تدويره 100%، مع قصدير معاد تدويره في لحام لوحة المنطق الرئيسية
- أبل ووتش: حققت سابقاً لقب أول منتج محايد كربونياً بالكامل من أبل
- آيباد: ألمنيوم معاد تدويره في الهيكل مع تزايد نسبة المعادن المُستَرجعة في المكونات الداخلية
هذا التوسع المنهجي عبر كل فئة منتجات يكشف أن الأمر تجاوز مرحلة التجربة إلى سياسة تصنيع راسخة.
ما أهمية هذا التوجه للسوق العربية؟
منطقة الخليج العربي تحديداً، وبخاصة السعودية والإمارات، تشهد اهتماماً متصاعداً بالاستدامة. رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء ومشاريع الإمارات في الطاقة النظيفة تجعل المستهلك العربي أكثر وعياً بالبعد البيئي لمشترياته التقنية. أبل تستفيد من هذا الوعي المتنامي لتعزيز ولاء عملائها في المنطقة.
لكن هل يكفي أن تتصدر شركة واحدة هذا المسار بينما تتأخر شركات أخرى؟ الضغط الذي تمارسه أبل على صناعة التقنية بأكملها من خلال رفع معايير الاستدامة قد يُجبر المنافسين على تسريع خططهم البيئية، وهذا في النهاية يصبّ في مصلحة الكوكب والمستهلك معاً.
التحديات القادمة أمام طموحات أبل البيئية
رغم هذا التقدم، تبقى تحديات حقيقية. بعض المواد لا تزال صعبة الاسترجاع اقتصادياً. شبكة جمع الأجهزة القديمة لا تغطي كل الأسواق بالكفاءة ذاتها، خصوصاً في الدول النامية. كما أن التوسع في الإنتاج عاماً بعد عام يعني أن خفض النسبة المئوية للمواد الخام الجديدة يتطلب جهداً مضاعفاً مستمراً. أبل تدرك ذلك وتستثمر في أبحاث علوم المواد بشكل غير مسبوق.
إنجاز أبل في رفع نسبة المواد المعاد تدويرها إلى مستوى قياسي ليس مجرد خبر بيئي عابر، بل مؤشر على أن صناعة التقنية بدأت تأخذ المسؤولية البيئية على محمل الجدّ. المنافسة القادمة لن تكون فقط على المواصفات والأسعار، بل على من يُقدّم التقنية الأنظف — والمستهلك العربي الواعي سيكون جزءاً من هذه المعادلة.
