لسنوات طويلة، لم تحظى الذاكرة العشوائية سوى بقدر قليل من الأهمية عند شراء الأجهزة الإلكترونية وتجميع أجهزة الكمبيوتر الشخصية. ولكن مع الربع الأخير من العام الماضي وبداية 2026، أصبحت الذاكرة العشوائية من أهم المكونات الأساسية التي تُحدّد اختياراتك.
من الضروري أن نفهم أن أزمة الذاكرة لا تقتصر على أجهزة الكمبيوتر فقط، وإنما هي موجودة في كل شيء تقريبًا: من الهواتف الذكية، إلى أجهزة اللاب توب، إلى أجهزة الكونسول، وصولًا إلى أنظمة المعلومات والترفيه في السيارات، وحتى أجهزة الراوتر. ربما لن تُصدّقني إن قلت لك أنها موجودة في بعض لوحات مفاتيح الكمبيوتر ووحدات تحكم الألعاب اليدوية.
وعندما يبدأ مخزون أي موارد أساسية في النفاذ، لابد وحتمًا أن تتبعه موجة جديدة من الأسعار، مما قد يؤدي إلى اختلال المواصفات التقنية بأغلب الأجهزة، وتباطؤ سلاسل الإمداد، واختناق السوق الاستهلاكي.
لماذا يبدو الوضع مختلفًا على ما كان عليه خلال الجائحة؟

بحسب شركة Counterpoint Research، وهي شركة متخصصة في تحليل وأبحاث اتجاهات السوق، فلقد ارتفعت قيمة وحدات الذاكرة من نوع DRAM و NAND و HBM بنحو 80% إلى 90% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنةً ببداية الربع الأخير من عام 2025.
لا تبدو هذه النسبة “الهائلة” مُجرد تصحيحًا في مسار السوق، وإنما هو أشبه بانتقال حاد في سياسات النظام. المشكلة ليست في تجاهل مصنّعو الذاكرة لسوق المستهلكين كما يعتقد البعض، وإنما في تركيز طاقتهم الإنتاجية بالكامل إلى القطاع الذي يدفع أكثر ويطلب بكميات أكبر، ألا وهو قطاع مراكز البيانات المُخصصة للذكاء الاصطناعي.
تعتمد مراكز البيانات على الذاكرة العشوائية ذات النطاق الترددي العالي والسعة التخزينية الهائلة للبنية التحتية لخوادم الذكاء الاصطناعي. نتحدث هنا عن ذواكر HBM عالية التردد. هذا ما أدى إلى شلل في سلاسل إنتاج شرائج DRAM المُخصصة سوق المستهلك، مما خلق صورة واضحة من شح المنتجات، وارتفاع الأسعار بشكل كبير.
يؤكد العديد من الخبراء أن الوضع العالي يتّخذ طابعًا هيكليًا أكثر عنفًا مُقارنة بفترة الجائحة وما رافقها من تقلبات مفاجئة في الطلب أو العوائق اللوجستية. فالطلب على الذاكرة ليس وليد الصدفة، وإنما هو أحد الخصائص الأساسية لبناء أنظمة حديثة عاملة في قطاع يتعطش للذاكرة بشكل مُفجع.
وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يعتمد على الذاكرة عالية التردد من نوع HBM، إلا أن مصنّعو الذاكرة قرروا أن يحوّلوا طاقتهم الإنتاجية بالكامل لهذا النوع من الذاكرة. هذا يعني استبدال خطوط إنتاج شرائح DRAM وتوظيف الآلات والمواد الخام وجميع الموارد لتكثيف إنتاجية شرائح HBM، وبالتالي، تهميش خطوط الإنتاج المُخصصة للسوق الاستهلاكي.
إذا أردنا أن نفهم الصورة بشكل أوضح، فلنأخذ بطاقة NVIDIA DGX H200 على سبيل المثال، والتي تحتوي على ذاكرة HBM بسعة 2 تيرابايت. في المقابل، بطاقة مثل NVIDIA H100 تحتوي على 80 جيجابايت من ذاكرة HBM، وقد تستوعب المزيد من السعة حسب الطراز.
فهذا هو نوع المعالجات المُسرّعة هو المستخدم في تشغيل خوادم الذكاء الاصطناعي. والشركات العاملة في هذا المجال تؤسس “مزارع من الخوادم” بحجم “أحياء سكنية” من أجل تسريع عملية تدريب النماذج.
والمشكلة أن شركات تصنيع الذاكرة لا ترغب في التسرُّع بإنشاء مرافق تصنيع جديدة لزيادة الطاقة الإنتاجية حتى لا تتعرّض لنفس سيناريو الخسارة الذي أضرّ بها في عصر الجائحة.
لماذا ارتفعت أسعار سلسلة Galaxy S26؟

ما يزيد من حدة المشكلة هو أن سوق الذاكرة بطبيعته سوقٌ أسير لعدد محدود جدًا من الشركات. فأكثر من 90% من الإنتاج العالمي للذاكرة يتم انتاجه بواسطة Samsung Semiconductors و Micron و SK Hynix. وهذه الشركات الثلاث أبدوا رغبتهم الواضحة في تلبية متطلبات قطاع الذكاء الاصطناعي. في الحقيقة، أي شركة أخرى في مكانهم ستتخذ قرارًا مماثلًا.
والآن، بدأنا في رؤية أثار هذا القرار بوضوح – ارتفاع جنوني في أسعار ذواكر DDR5، وحتى بعض طرازات DDR4. ومع ذلك، قد يتساءل بعضنا: “لماذا رفعت سامسونج من أسعار سلسلة Galaxy S26 (باستثناء طراز Ultra) على الرغم من أنها أحد كبار مصنّعو الذاكرة؟”
الإجابة ببساطة تكمن في سياسات الشركة. فكل قسم داخل “امبراطورية” سامسونج مستقلًّ بذاته. فقسم الهواتف الذكية يشتري المعالجات والذاكرة من قسم “Samsung Semiconductors”، بينما يشتري قطاع التلفزيونات شاشاته من قسم “Samsung Display”.
صحيح أن جميع هذه الأقسام تنزوي تحت راية واحدة، “Samsung Electronics”، إلا أن كل منها يعمل بشكل مستقل، لدرجة أن أي قسم منها يتمتع بالحرية الكاملة للتعاون مع منافس خارجي إذا ظهرت له الميزة في ذلك، ودليل على ذلك استمرار قسم الهواتف الذكية في استخدام شرائح كوالكم الأغلى ثمنًا.
باختصار: قطاع سامسونج لأشباه الموصلات قرر رفع أسعار جميع أنواع الذاكرة، وعلى قطاع الهواتف الذكية أن يتحمل هذه الزيادة مثل أي عميل آخر، وهو ما يجب على المستهلك النهائي (أنا وأنت) التعامل معه.
