خلال السنوات الخمس الماضية، أصبح سوق البطاقات الرسومية المستعملة مرتعًا للمحتالين والغشاشين، فبعد كل شيء، أصبحت هذه الساحة فرصة ذهبية لا يُمكن تجاهلها بالنظر إلى الارتفاع الرهيب في أسعار المعالجات الرسومية ورقائق الذاكرة. وإنصافًا للحق وتجردًا للواقع، فإن من يجعل هذا السوق منتعشًا ونابضًا بالحياة هو المستخدمين البسطاء وحسنو النية، أم نقول عليهم المغفلين والساذجين؟
فهؤلاء الأشخاص الذين يفتقرون للفطنة والوعي التقني بمثابة فرائس سهلة لا يتطلب الأمر سوى مجموعة قليلة من الكلمات المعسولة والصور الجذابة لإقناعهم والإيقاع بهم في شراك الصيادين المهرة.
إنني أعتبر “النصب” مهارة أو موهبة تُورّث عبر الأجيال، فلقد تعاملت شخصيًا مع هؤلاء، وأستطيع أن أؤكد لك أنه ليس من السهل أبدًا اكتشاف نواياهم الخبيثة أو رؤية وجوههم الحقيقية خلف الأقنعة الزائفة. إنهم أحيانًا يبدو أكثر صدقًا من الصادقين أنفسهم، وهنا تكمن المشكلة، إذ يكثر تواجد هؤلاء بشكل خاص عندما تشتد الأزمات، تمامًا مثل الغربان التي تحلّق فوق الفرائس خلال فترة احتضارها.
فبالنظر إلى تكلفتها المرتفعة، يلجأ معظمنا للبحث عن البطاقات الرسومية المستعملة، وهو في معظم الأحيان، خيارًا مغريًا، لكنه محفوفًا بالمخاطر بالوقت نفسه، إذ من الشائع أن تكون هذه البطاقات قادمة من مزارع التعدين، والتي تعمل ليلًا ونهارًا في فك تشفير العملات الإلكترونية، وقد لا تكون حالتها جيدة للبقاء على قيد الحياة لفترة طويلة من الوقت.
ومع ذلك، تظل أسعارها المنخفضة جذابة للغاية، وقد تكون حالتها السطحية والمادية ممتازة، ولكن لماذا لا تكون كذلك؟ فهي لم تُستخدم سوى لمرة واحدة فقط عندما تم وضعها في المزرعة لتبدأ في الكدح والعمل بلا كلل أو توقف حتى تظهر عليها علامات الاحتضار، أو الأسوأ: تتعرض بعض أجزاءها للتلف.
المشكلة لا تقتصر على مزارع التعدين فحسب، وإنما هي تمتد لتشمل مراكز البيانات أيضًا، بما في ذلك خوادم الذكاء الاصطناعي. في مثل هذه الحالة، يكون لدى المسؤول عن إدارة الخوادم أحد الخيارين: إما بيعها مستعملة على حالتها أو صيانتها وإعادة استخدامها بالخادم مرة أخرى، ولكن هذه الحالة الأخيرة مستبعدة في معظم الأحوال لأن الأمر يتوقف على نوع التلف وعمق الضرر.
فإذا احترقت إحدى رقائق الذاكرة، سيكون من السهل استبدالها، وإذا احترقت إحدى مكونات دائرة الطاقة، فقد يكون من السهل صيانتها. ولكن في بعض الأحيان، قد تكون آثار الحرق عميقة جدًا بلوحة الدوائر الإلكترونية المطبوعة بحيث يكون من الصعب على الفنيين الهواة القدرة على صيانة التلف. الأكثر خطورة من ذلك هو ما إذا كان العطل نابع من المعالج الرسومي نفسه، وهو أمر شائع في البطاقات الرسومية المُتهالكة في تعدين العملات الإلكترونية.
كيف تعرف البطاقات الرسومية المُستخدمة في تعدين العملات الإلكترونية Mining GPUs؟

لا يجب الاكتفاء بالتأكد مما إذا كانت البطاقة الرسومية تعمل على برنامج Furmark لمدة 10 دقائق أو أكثر من ذلك. فالأهم من ذلك هو معرفة كيف تم استخدامها، وما إذا كانت تعرضت للصيانة من قبل، وما هو نوع التلف. فمن الضروري أن تتأكد أن البطاقة الرسومية التي أمامك كانت تُستعمل في الاستخدام الشخصي، أي في الألعاب وتحرير الفيديو والتصميم أو الذكاء الاصطناعي. المهم أنها كانت تُستخدم بـــ “اعتدال” وبشكل معقول.
فالاستخدام المعتدل يعني أن هذه البطاقة الرسومية كانت تأخذ فترات من الراحة كل ليلة، أو حتى كل بضع ليالي. ويعني أيضًا أنها لم تكن تعمل بأقصى طاقتها على مدار الساعة.
لكن في مزارع التعدين ومراكز البيانات، هذه البطاقات تزرف عرقًا من الكدح على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع 24/7 دون راحة أو توقف. إنها أشبه بزمن العبودية الخالي من الرحمة أو الرأفة.
■ العلامة الأولى: الارتفاع غير المبرر في الحرارة
صحيح البطاقات الرسومية المُستخدمة في التعدين لا تعني بالضرورة أنها تالفة، وقد تكون حالتها ممتازة من الناحية الظاهرية والداخلية، ولكن لا يوجد ما يضمن لك أنها لن تبدأ في الاحتضار بعد شهور قليلة من استخدامك لها. من حسن الحظ، هناك علامات واضحة تكشف هذه البطاقات الرسومية فور رؤيتها، أهمها الارتفاع غير المبرر في حرارة المعالج الرسومي. ويجب أن نضع سطر أحمر تحت كلمتي “المعالج الرسومي”.
لا تهتم بدرجة حرارة الــ Hot Spot لأنها لا تُظهر القيمة الحقيقية من حرارة المعالج الرسومي التي يجب التعامل على أساسها. حرارة الــ Hot Spot عبارة عن قراءة لذروة الحرارة القصوى التي يتم جمعها عبر مجموعة مختلفة من المستشعرات المدمجة في قالب المعالج الرسومي، لكنها لا تعكس الحرارة الفعلية لنواة المعالج الرسومي. نقول ذلك حتى لا تهرع إذا رأيت حرارة الــ Hot Spot لديم تقفز فوق 95C أو حتى 105C، فهي قيم طبيعية مع عدد كبير من المعالجات الرسومية. لكن الخطورة الحقيقية تأتي من المعالج الرسومي نفسه “GPU Temp”.
فإذا رأينا حرارة مرتفعة في حالات الخمول والاستخدام الخفيف، مثل 65C ~ 75C، فهذا دليل قاطع على وجود شيء خاطئ. قد يكون المعالج في حاجة إلى تغيير المعجون الحراري على وجه السرعة. لكن إذا كان قد تم تغيير المعجون خلال وقت قريب، فهذه الحرارة مؤشر خطر على أن المعالج يلفظ أنفاسه الأخيرة. أما في حالات الضغط، فلا يجب أن تتجاوز حرارة المعالج “GPU Temp” أكثر من 84C لأن هذه القيمة تعني اختناق المعالج الرسومي. مرة أخرى، قد يكون المعالج في حاجة إلى تغيير المعجون. لكن إذا لم يكن الأمر كذلك، ودرجات الحرارة تبدو مريبة بالنسبة لك، فيجب أن تمتنع عن هذه الصفقة تمامًا.
قد تظهر قراءة الحرارة بدرجات مرتفعة مثل 75C بمجرد تشغيل برنامج Furmark، ولكن انتظر قليلًا حتى تبدأ المراوح في العمل بكامل طاقتها وتستقر الحرارة. فإذا استقرت الحرارة لفترة طويلة من الوقت، فهذه علامة جيدة. ولكن إذا قفزت الحرارة إلى مستويات خطيرة تتجاوز 90C و 95C للمعالج الرسومي “GPU Temp”، فهي ليست آمنة.
■ العلامة الثانية: ضجيج المراوح وحالتها
الاستخدام المكثف على مدار الساعة يؤدي إلى ما يُعرف باسم “التدهور الميكانيكي”. وبالتالي، من الشائع أن ترتخي المراوح أو تصدر أصواتًا غير منتظمة. وبينما لا يزال بإمكانك استبدالها، إلا إنها غالبًا ما تشير إلى أمر في غاية الخطورة، وهي أن البطاقة الرسومية كانت تعمل دون كلل حتى افضت إحدى المراوح عمرها الافتراضي وشارفت على التوقف عن العمل.
■ العلامة الثالثة: قيم غير صحيحة في قراءات برنامج GPU-Z
قم بفتح برنامج GPU-Z أثناء الضغط على البطاقة، وابدأ في مراقبة جميع القيم التي تظهر أمامك، وقارنها مع بطاقة أخرى من نفس الطراز. فإذا لاحظت أن هناك بعض انخفاض في سرعة تردد النواة، أو اختفاء بعض القيم من برنامج GPU-Z، فهذه أيضًا علامة غير جيدة على الإطلاق.
■ العلامة الرابعة: الأداء الفعلي للبطاقة
من حسن الحظ أن برامج الاختبارات المعيارية تكشف لنا عن الأداء الفعلي للبطاقة الرسومية بسهولة. من الشائع أن تتفاوت النتائج قليلًا بين طراز بطاقة وأخرى – اعتمادًا على عوامل كثيرة مثل وضع كسر السرعة، جودة وكفاءة تبريد البطاقة، الحرارة المحيطة، وإصدار التعريف البرمجي. ولكن يجب أن يكون هذا التفاوت طفيفًا في جميع الحالات، بصرف النظر عن أي عوامل. بمعنى أنه إذا كنت تختبر بطاقة RTX 3070 TI 8GB على برنامج Furmark وتحصل على 200FPS، فيجب أن تعطي جميع بطاقات RTX 3070 TI 8GB نتيجة مماثلة، قد تقل أو تكثر قليلًا عن 200FPS، لكن يجب أن تكون في نفس النطاق. يجب أن تقوم بهذه الاختبارات في برامج أخرى مثل 3DMARK و UNIGINE Superposition و Cinebench 2024.
أما إذا لاحظت انخفاضًا ملحوظًا في النتائج القياسية على هذه البرامج، مثل تحقيق 150FPS/120FPS، فهذه علامة مؤكدة على تدهور وإجهاد المكونات الداخلية للبطاقة الرسومية، وعلى رأسها المعالج الرسومي، وهو سيناريو شائع جدًا للبطاقات الرسومية التي تعرضت لأحمال ثقيلة على المدى الطويل.
■ العلامة الخامسة: تعدد المنتجات
إذا رأينا شخص على المتجر لا يمتلك أي إعلانات سوى أنه يبيع بطاقته الرسومية، والتي قام بشرائها مع فاتورة، وموثقّة بفترة ضمان من الوكيل، فهي بادئة رائعة تبعث على الاطمئنان، حتى وإن كانت فترة الضمان قد انتهت بالفعل. لكن إذا كان البائع يمتلك أكثر من 20 بطاقة من نفس النوع، ويبيعها بالجملة أو منفردة، فلا تحتاج مني أن أثبت لك بعد ذلك أنها قادمة من مزرعة تعدين.
بعض تجار الاستيراد يتمتعون بالخبرة الكافية لاجتناب التعامل مع مزارع التعدين والشراء من مستخدمين أو بائعين موثوقين فقط، ولكن ليس جميعهم كذلك. ويجب أن تحترث من هذا الأمر.
كيف تتجنب الوقوع في فخ بطاقات التعدين؟
الأمر في غاية السهولة: اشترِ من شخص مثلك مهتم بالألعاب أو متخصص في تحرير الفيديو والتصميم الهندسي أو الذكاء الاصطناعي. هؤلاء المستخدمين هم أشخاص هواة مثل الغالبية العظمى، وفي الغالب، استخدامهم معتدل وطبيعي. يمكنك أيضًا الاطمئنان إذا حصلت من البائع على فترة ضمان، ويُستحسن أن يكون ضمان من الوكيل المحلي في بلدك.
